مطلع الفجر

للأيام قدرة عجيبة على التمدد والانكماش وفقًا للظروف التي تتضمنها, تتحول عقارب ساعاتها في حركتها بين الرفق والشدة بشكل يوازي ما تشعر به, لا كما يوازي حركة دوران الأرض حول نفسها.

لسبب ما, حين تكون هناك ليلة عصيبة, فإن أول ملامح الفرج تظهر مع ملامح الفجر وشروق الشمس؛ لا يسعني تخطي المشكلة لكني أستطيع الانتظار وعدّ الدقائق وتكرار النظر للساعة أملًا في أن تخف وطأة شدتها في الصباح؛ وليس ذلك حصرًا على ما يصيب النفس من همّ, فقد اعتادت أمي أن تهيؤنا ونفسها لتقبل أشد لحظات الأزمات الصحية في المساء حين يذهب الجميع للنوم, وتتسلح أنت بجميع الأدوية والكمادات وخافض الحرارة ومقياسها؛ فتُنهك بنوبات التعب والرجفة وبدلًا من ترقب العافية, تترقب آذان الفجر.

​وفي حين كان اليوم يتقلب بين الليل والنهار, البداية والنهاية التي يمكن أن تبتدئ معها أو تنتهي, فإن الأيام تسير في دولاب لا يبدأ ولا ينتهي مما يؤازر ظروفها وأحوالها, فلا تمضي ولا تتبدل؛ فقد كان لزامًا أن نُمضي هذه الأيام في حال ليست هي الأفضل, وكنت استسهل الشهر والشهرين, فلا أراها إلا ستة أو سبعة أسابيع, لكنها سبع يوسف العجاف؛ وأنّى لها أن تنقضي.

أيامٌ تتمدد بشكل هلامي -صلب سائل- يطبق عليك فلا فجر ولا عشاء ولا ثقب تتنفس منه ولا نافذة, وتظل عالقًا في عنق الزجاجة لست ترجو أن تخرج ولكن ألا تعود للقاع, و يا ربُ أسفًا على هذه الأيام من عمري تكون ولكن السلوى بـ”إني أرى قادم الأيام تحمل غايتي وما صبري هذي الأيام إلا تأنيا”.

غيغا بايت حُرّة


تقول د.هبه حريري -باحثة ودكتوراه في العلاج والإرشاد النفسي- أن الخوف من فكرة مضادة هي مشكلة في تشكيل الهوية؛ وفي سياق آخر للهوية ذكرت أنها قابلة للتغير والتحول في غضون أيام إثر فكرة ما!.

            ولا أعلم حقيقة إذا ما كانت مشكلة فعلًأ في الهوية, لكن الأفكار التي قد لا أتفق معها, أجدني على إثرها في زوبعة فكرية قد تطول أو تقصر وفقًا للفكرة؛ لا أعني زوبعة الشك, ولكنها مشاعر الغضب ربما؛ ولأني لا أملك أحيانًا إمكانية الرد والمحاورة, اكتفي بثورة المشاعر التي ترهقني بدءًا وانتهاءً.

            ومن المقبول جدًا التعرض لأفكار مغايرة في برنامج ما أو كتاب ما, أو شخص يتحدث بإسهاب عن ما يتبنى من معتقدات فكرية, لكن رمي فكرة جرداء أو ترويجها مثل سلعة مزجاة لا تغني ولا تكفي؛ وترك صنع المقدمات والمبررات على الآخرين؛ هو غير المقبول! وهو ما يستنزف الأسئلة, لماذا؟, هل يمكن وهل يعقل؟

            ودون الحاجة للتذكير؛ تُتوّج وسائل التواصل الاجتماعي كأفضل مرمى فكري سطحي بلا عمق ولا تأمل؛ ولأني مجرد عدد جامد في جميع التطبيقات؛ عدد ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قِبله العذاب, فلا يشك أحدٍ ما أن خلف هذا الصمت تفاعل على شكل آخر.

            ولأن “أولى ما على الإنسان راحته” بدأت أولى خطوات الانسحاب من برنامج سناب شات, الذي فضلًا عن تحوله منبرًا للصحيح والمجنون, صار أحد ساحات المعارض والفنون, وأنت أين أنت من كل هذا؟ سحبت “الفلاتر” بساط العفوية وأصبح ما نراه عبر سناب شاب فكرة مغايرة عما نملكه من تصور واقعي للشخص, للمكان, للمناسبة؛ وهنا الوطيس الذي يحمى بعد كل سنابه.

            بعد قرابة ستة أشهر من النعيم المستديم صارت الأفكار في تويتر هي محل النظر والاهتمام, ويعزّ علي تويتر وأصحابي هناك؛ لكنه بالكاد يُطاق الآن, تيارات فكرية مختلفة, وتراشق أخلاقي, وأحداث في شرق الأرض وغربها كلها تُستحضر أمام ضعفي وقلة حيلتي, ولا أحد يتصور أن مصفوفة أحرف أو صورة ربما, تسير ملاصقة لك وتنعكس أمامك على كل شيء, مثل ظل لا يبالي بليل أو نهار؛ وصاحبها يهنئ في مطعمه ومشربه وأنت أين أنت مُنه؟ فاخترت الطريق المختصر وقمت بإعادة تنظيم قائمة المُضافين لدي؛ وألغيت متابعة أصحاب المُعتقدات الفكرية المختلفة وكل ما لا أستطيع معه صبرا, ثم كانت المشكلة في إعادة التدوير المستمرة لأشخاص تم الغاء متابعتهم من أشخاص يصعب الغاء متابعتهم, لكن تويتر في ذلك أتاح فرصة الكتم, وآسفة لذلك لكنّ اضطررت له؛ وكنت ذات عهد سابق بخاصية الكتم فالكثير من الكلمات والشخصيات المثيرة للجدل؛ ومؤخرًا فايروس كورنا ومشتقاته وصُروفه بالعربية والانجليزية, فضّلت أن اكتمها جميعها على أن أقوم بإلغاء متابعة كل ذي شأن بها؛ والنتيجة كانت مثالية ورائعة, واستزادة النفع من تويتر بدلًا عن الاحباط على هامش كل تيار فكري يطرأ في جملة ما, والسعي في ارشيف كل صادرة وواردة! 

            أخيرًا بالنسبة لتطبيقي المحبب انستقرام, فقد طاله ما طال سابقيه لكن بشكل مخفف؛ بدأت فيه بكل حسابات الفاشن بلوقرز “الفاشنستات” وألغيت المتابعة وإن كنت أتابع عدد محدود منهم, لأدوارهم الأخرى في الحياة التي تظهر أحيانًا من أمومة وتربية وغيرها, لكن حسابات التربية المختصة تملأ انستقرام! عرّجت أيضًا على كل حساب لا تتجاوز الصورة مرحلة التباهي حقيقة دون أدنى فائدة! استعراض التقديمات وموائد الطعام, عرض مجلدات السفر والسياحة, حسابات التسوق والماركات التي تظهر في كل زاوية بشكل غير مقصود طبعًا, والحياة المثالية وأنت أين أنت عنها؟

لا أعني بالطبع الحسابات التي تقدم الفائدة مغلفة بشكل أنيق وباهض ربما, لكن الحسابات التي لا تتعدى فكرة العرض فقط, دون الإجابة على صندوق التعليقات الذي يعيش بمنأى عن الصورة أعلاه؛ وبالنسبة للصفحة الاكتشاف “الإكسبلور” فقد قامت (https://www.instagram.com/fiind/) بالإشارة لطريقة فعالة في الحد من الصور غير اللائقة وغير المهمة, إضافة إلى امتهان التبليغ عن للحسابات غير الأخلاقية التي تظهر غالبًا بين فترة وأخرى؛ وبالتأكيد قمت بإضافة الكثير جدًا من الحسابات التي تحقق فعلًا تغذية الجمال البصري, والفكري أيضًا بالتعليق الناعم الذي يُرفق غالبًا؛ والجدير بالذكر أن البدء بتحسين قائمة المتابعة لديك يجر شخصيات أخرى ممن قد تفضلهم استنادًا للقائمة التي أبقيت عليها؛ بالتالي هي لا تنقص بل تزيد.

أخيرًا؛ هل يمكن اقتصار فائدة ذلك على الراحة التي أنعم بها الآن؟ أو تجاوز ذلك لمتسع الوقت الذي أُتيح لمجال المواد المسموعة في بودكاست والمرئية في يوتيوب؟ أو المعارف التي اُكتسبت مذ أن أتيح له فرصة الظهور؟ أو المجالات التي وجدت فيها شغف الاستزادة أخيرًا وعرفت ماذا أُفضل؟

وبالمقابل, تفوتني الكثير من الفعاليات العائلية في سناب شاب, وتأخذني الأيام والأسابيع عن الاصدقاء فلا يمكن التعليق خلف صورة ولا معرفة أخبارهم إلا بالسؤال الذي يجر الأحاديث المطولة عبر تطبيقات الرسائل, وأشعر أن العالم هادئ على غير العادة كل مرة أُحّدث فيها شريط تويتر ثم أتفاجئ في كل اجتماع! أنّى للعالم أن يتحول بين عشية وضحاها, ودائمًا ما يتولى الآخرون تعريفي بقضايا المجتمع الحالية وأبرز التطورات, لكن مالي ومال الناس إن مالوا وإن عدلوا؟

الثبات الناعم

في هذا الوقت الذي أستيقظ فيه من أجل سبب بعيد جدًا عن الكتابة, أنا أكتب. لقد استيقظت بهاجس ثقيل كان علي أن أصرفه عن ذهني, واعتذر للساعة التي سرقتها من جيب الكتاب.

أعتقد ان مهارات تكوين فكرة عن الطرف الآخر التي قد تتمتع بها بسهولة فطرية سابقًا, تُنعى الآن! ان السرعة التي يتبدل فيها تبني الآخرين لقناعاتهم, تجعل من العجز اللحاق بهم بفكرة أو تصورٍ ما. ولا أعرف إذا ما كانت الفكرة تتمحور فعليًا حول تبني القناعات أو أشياء أخرى.

أدرك يقينًا أن الانسان حتي يعيش ضمنًا في مجتمعه يحتاج إلى مواكبة هذا التسارع الحياتي الشامل, وأن يكون جاهزًا لتكوين فكرة عن أي مستجدات تطرأ حوله؛  فإذا كان الانسان قد كون أفكارًا وامتلك قناعات فلا بد أنه يفقه ما يؤمن به وبذلك لربما اضطر مرات لتصحيح ايمانيات -وأقصد بها المُسلمات وليست الايمانيات بالمعنى الشرعي- بُنيت على خطأ أو عجالة, وهذا اجتهاد محمود مأجور؛ وهي نقطة اتفاق ننطلق منها لما بعدها.

لابد أنك تجلس اليوم مجلسًا ينبذ عادة, تصرفًا, منهجًا ومسلكًا سرعان ما يُسلك في المجلس الذي يليه! وإن ذلك أصبح من ما يشُفع ويعتذر له بصروف الدهر, وأصاب أحدنا منه البلادة والجمود وما أًصبحت بذلك مفاجأة فهي أقرب منها إلى العادة.

أما الذي يحاك في الصدر ويرسم الوجه بملامح التعجب ويبعث إليه بألوان الدهشة ولا تدري فيه أين الصواب من الخطأ؛ أن الناس صارت تخلط الرأي بالمبدأ! فلا ترى منهم ثبات ولا تمثل القناعات أًصحابها.

أعيش ضمن دوائر اجتماعية كثيرة تتمثل العائلة والأسرة وبيئة الدراسة وعلاقات أخرى, تتقاطع كلها في هذا التلون؛ صار التحول سهل جدًا! يحدثك اليوم عن قناعة غدًا هو منها في براءة .. يحدثك عن سلوك صحيح ومفروض وواجب على الجميع إلا هو؛ يحدثك عن أحدهم الذي ربما يحتاج إلى النصيحة بشكل عاجل؛ لكن نسيي أنه ربما أحتاج هو إلى التوبة!

وأصبح واجبًا أن تتعايش مع هذا التناقضات, وهذا ثقيل جدًا لا تستطيع البوح له ويعجز عنه صدرك .. إن تحدثت به خفت شؤم البلاء وإن سكت عنه خفت معمّته.

وهذا كله سهل هين عند ما يكون قريب منك محبوب إليك؛ فتشعر بالتيه الذي لست به إلى أحد, أنت إليه جنبًا وعنه فكرًا في معزل.

وأدرك يقينًا أنني كما استكرهت هذا عن غيري, ربما استكرهه أحدهم مني؛ وهذا مما يوهن الفكر فلا تدري كيف الصواب وكيف الخطأ وفضلًا عنه كيف تتماسك أكثر -على الأقل- تجاه مبادئك؟

عامٌ جديد!

يشارف العام الهجري على الانتهاء، لكنه ينتهي هذه المرة تزامنًا مع انتهاء عام عمُرّي آخر؛ لنبدأ أنا والسنة الهجرية ميلاد جديد.

ولهذا الاتفاق علّة خفية، يبدو اعلان بداية جديدة وتأكيد عليها، وكأن الستائر تسدل من كل اتجاه للمغادرة جبرًا إلى مشهد آخر، أقف وانفض عن نفسي خمسة وعشرون سنة، يهتف الآخرون احتفالًا بعام جديد -واحتفل لوحدي- معهم.

لم يكن من السهل أبدًا اجتياز العام الأخير من عمري ومن اوراق التقويم على حد سواء، كان بلوغ الخامسة والعشرون يكلف الكثير وكانت بداية عام هجري جديد بعيدة جدًا، كان عامًا عصيٌ عن التصنيف، لم تخطئ الدهشة اصابة كل الأماكن والعلاقات والمواقف التي مرت خلال هذا العام، ولم تخطئني أنا أيضًا.

كنت أعتقد أن السنوات الماضية كفيلة بأن تكون مخاضًا ينتهي ببشرى ولادة وأن خمسة وعشرين سنة تصنع أجيالًا؛ لا نصف إنسان, لكنه اعتقادٌ يتبدل مجددًا كل عام؛ ومجددًا هناك رغبة مُلحّة بأن أرى نفسي في صورتها الكاملة, لكنها تظل خيال صورة.

أفكر في ما حدث ويأخذني العجب أنّى لكل هذه الأحداث أن تأتي في عام واحد, تتزاحم وتتلاحم حتى تملأ كل الأشهر, كل الأيام بالتفاصيل, بالذكريات؛ في عام واحد كان عليّ أن أصبح أمًا في الوقت الذي يتوجب علي فيه الانفصال عن والدتي وعيش التجربة دون أن يشارك جيلٌ ثالثٌ في الصورة, كان عليّ العيش بالتخفف لا رغبة في ذلك ولكن لأن الإقامة غالبًا في مكان واحد لا تزيد عن شهرين, كان عليّ التعايش مع حالة السفر -وأقصد الفعل لحالة السفر- إذ تكاد تتحول السيارة إلى مقر إقامة ويغشى الليل النهار يطلبه حثيثًا كما نطلب الوصول, يتكرر ذلك مرات أخرى وتتحول حالة السفر من مضارع إلى مضارع مستمر للأبد, كان عليّ مصافحة كل من أصادفهم, ومصادفة أحد ما هو احتمال ضعيف جدًا, لذا وبدلًا من المصافحة كان يتوجب عليّ معانقتهم للاستئناس بهذه العلاقة “العابرة العميقة” أطول وقت ممكن, كان عليّ الوقوف في مصلى العيد لا اجاور أحدًا من عائلتي, وفي المساء أُجيب بنفسي عن التساؤل الذي طالما تكرر كل عيد “من يذهب إلى الاحتفالات في الأماكن العامة ويفوّت على نفسه الاجتماعات الأسرية؟”, كان عليّ تأجيل كل القرارات الممكنة والمستحيلة المستقبلية والحالية لأن الحال “مؤقت” وهذا المؤقت يأخذ شكل الدائم في كل شيء إلا الاستدامة.

صنعني هذا العام مرة أخرى، شكلنّي من جديد؛ وكل المسلمات التي أعرفها عن نفسي أصبحت محل شك, ولا أعلم أعزو ذلك إلى الظروف أو العمر, لكنّي بلا شك شُكلت مرة أخرى من رأسي حتى أخمص قدميّ؛ وإذا كنت سابقًا أعتقد أن الإنسان ينضج خلال مرحلتين: الجامعة والزواج, فأنا أجزم الآن أنه ينضج خلال ثلاث مراحل: الجامعة, الزواج وأثناء الظروف الصعبة.

الآن أفكر, كيف أصبحت بعد كل ذلك؟ كيف امتهنت أشياء كثيرة لم تكن منّي أبدًا, كيف تجزأت نفسي فما كادت تُبقى لي شيئًا, كيف تحولت اهتماماتي لمسارات مغايرة ربما, كيف أمكن أن أًصقل لدرجة الانزلاق المربكة هذه, كيف تبدّلت قائمة دعواتي التي أرددها دائمّا عند السفر, وفي الصوم عند الإفطار وأثناء القنوت. ثم أبتسم ياللإنسان! انه يفوق قدرة الحرباء على التموضع.

السنة الأولى ..

كان فنجان القهوة يبرد لأن يدي مشغولة, ثم أصبح يسكب لان أحدهم يعبث بصينية القهوة, وما لبث أن صار يشرب على عجل لأن يد أخرى تسابقني إليه؛ والآن أصبح من الصعب تصوير ما يحدث لأنه ينسلخ من دوره متحولًا إلى لعبة دحرجة أو صحن تغميس ربما .. فأنهيه سريعًا وأنتظرك تكبر يا صغيري؛ لتشاركني فنجان قهوة حار وحديث حلو وضحكتك التي تراوغنا فيها دائمًا لتسوية الأمور.

يكمل اليوم طفلي 12 شهرًا متمًا بذلك أولى سنوات حياته, وأولى مراحل انشطار قلبي .. لم تكن سنة عادية أبدًا, كانت مليئة بلحظات البهجة, الضحك, الاُنس وَ الكثير من لحظات الرغبة بالانسحاب من ميدان الأمومة والتوقف عن تحمل مسؤوليات لا تكافئ طاقتي أبدًا .. أذكر أني بكيت فرحًا عندما استشعرت حدّه السن الأول, لكني بكيت أكثر عندما مرض للمرة الأولى مرضًا شديدًا عجزت عنه؛ وما زلت أبكي كلما تمكن منه المرض؛ لأني أريد أمي فأنا لا أصلح لأن أكون امًا!

أبحث عنه كثيرًا, معلقًا في الدرج, ومشتتًا بين درف المطبخ ومندهشًاأمام تحف منزل عائلتي التي لا تنتهي, لكنه يبحث عني أكثر كما اختبأت في شرشفالصلاة أو انصرفت إلى غرفة دون عمله, ويطول انتظاره امام باب أغلقته بعدي .. لاأذكر عدد المرات التي حاولت فيها إضحاكه, لكنها بالتأكيد تساوي مرات محاولاتهالمستمرة لرسم ابتسامة أو ضحكة لا يدرك مصداقيتها مكررًا بذلك ضحكته حتى اشاركهإياها, في مشروع تبادلي صغير جدَا تمليه عليه فطرته البسيطة.

كان مضغة, ثم خلق بعد خلق وعمرًا بعد عمرًا لتتحقق أعظم معجزة وتكبر أمامي, فلا تعد آيات الخلق آيات عابرة, ولا حقوق الأم حقوقًا مسلمّة. ولا الطفل أقل أهمية ممن سواه.

أصبحت أرى بعيني طفلي فلا أهنأ بخطر قريب, وأسمع بأذنيه فلا أهدأ لصوت مزعج, وأسير بركبتيه وقدميه الصغيرتين فلا أجلس لمنزلق ولا مرتفع وأستمتع بعقله الصغير فتزعجني كثيرًا مناطق الجلوس الطويل والهدوء الدائم .. وبدون أن أشعر أصبحت أنا هو, وأدركت بذلك معنى أن تكوني أمًا.

حبيبي صالح, اكتب هذا بشكل غير مرتب وبأفكار تتدافع تدافع اللقطات في ذاكرتي وتتالي المواقف أمام عيني .. وبالرغم من كل ذلك فلا أعلم أي عجلة هذه التي مرت بها سنتك الأولى, وكيف تكبر أكثر مما يبنغي لجنين ينام حتى الآن على حجري.

لنبدأ

حسنًا فلنبدأ,

اسمي بشاير, مواليد 1994م وانتمي للرياض تخرجت من جامعة الامام قسم التربية الخاصة الذي اكتشفت لاحقًا انه لا يتقاطع مع رغباتي و احاول الآن إصلاح ذلك .. مارست أدورًا كثيرة أخرها أني أصبحت أمًا لطفل يكبر بسرعة تاركُا خلفه مساحة حرة لدور آخر ودعوة تردفه بالتوفيق.

هربت من مواقع التواصل السريع, لأتيح لنفسي فرصة التعبير بشكل مريح هنا .. وأعوذ بكلمات الله من طوارق الليل والنهار إلا طارقٌ يطرق بخير.