14/4

يرتفع صوت إذاعة القرآن ببرنامج فتوى يُجيب فيه فضيلة الشيخ عبدالله المطلق عن سؤال أحدهم عن شعوره بالجزع وقلة الصبر إثر وفاة والدته .. يطبطب الشيخ بكلمات المواساة والعزاء ويذكره بالصبر والدعاء ثم ينقطع صوت الإذاعة أمام صوت ذهني الذي يحاول اقناعي بمراجعة التاريخ, هل أتممنا العام؟

لا أحاول ربط الأحداث بتواريخها, لاسيما الحزين منها حتى لا يُجدد الحزن نفسه مرة بعد أخرى .. لكن بلا جدوى! يفرض هذا التاريخ وجوده ويميز نفسه حتى لا يتمكن أحدنا من نسيانه, يتأكد أن مرور الأيام لن يُمحي هذه الأربعة المتكررة التي تقف أمام الحزن والذاكرة.

عام يمر على وفاة جدتي, لا أقول مرت الأيام سريعًا لكنها مرت ثقيلة, الأحداث التي كانت للمرة الأولى كانت الأشد ثُقلًا! عيد هذا العام كان أشبه بعزاء يكتم الجميع الحزن في نفسه حتى لا تتغبش صورة العيد السعيد لكن عبثًا, بقيت غرفتها ظلمة وبابها مغلق فلا فقرة السلام الحنون جاءت في البداية ولا فقرة العيديات جاءت ختامًا .. يُجبرنا الله بمناسبات سعيدة, مولود جديد, عروسُ جديدة, خطوبة, زواج وأنا اتخيل كل مرة ردة فعلها, أتخيلها تتصل بي وتخبرني بتعابير الفرح إذا ماكنت أهلًا لكتم السر حتى تخبرني إياه, تتصل بي أخرى ويزف لي خالي الذي يجلس جوارها خبر الولادة .. وتتصل وتتصل وتمر سنة باردة بلا اتصالات بلا تهاني صوتية, رسائل واتس اب وكتابات لا تحمل فرحتها ولا صوتها.

لا أعرف كيف برحمة الله تخطيت هذا العام, أفكر بوفاتها فأشعر أنها ربما قبل اسبوع؟ اسبوعان؟ كيف لهذه الفاجعة أن تجدد داخلي رغم كل هذه الفترة, ثم أفكر في فقدها فأشعر أنها قبل عامين وثلاثة وأربعة لايمكن أن يكون عام واحد! مازلت أحكي عن جدتي في كل مجلس يطرأ فيها مايصلني بها بحادثة أو حديث لكن (رحمها الله) ثقيلة حتى الآن, أقول جدتي رحمها الله -لأنه يجب أن أقول- ثم يأتي الرد آمين, فينقبض قلبي, لماذا آمين؟ هل ماتت؟

ثم ما يؤلمني حقًا أن هذه المشاعر حبيسة نفسي, عام كامل وأنا أحمل ثقل هذا الفقد في نفسي لا أستطيع مشاركته .. حُزن نتقاسمه جميعنا دون أن يبوح به أحد لآخر, الجميع يحاول مواساة الجميع في اختلاق أجواء سعيدة واجتماعات طبيعية واستكمال الحياة؛ تحكي لي خالتي فجأة عن اجتماعهم الأخير فأجدني اكرر دعوات الرحمة والمغفرة بشكل يكشف عن رغبتي بإنهاء هذا الحديث, فأكتشف أننا لم نتجازو بعد! في حدث ولادة سعيد أجدني أغص برغبتي في أن أسألهم جميعًا هل شعرتم مثلي أن هذه المناسبة سعيدة حزينة؟ في خبر خطوبة ابنة خالتي حبيبة الجميع, وحيث ندعو لها بالتوفيق والسعادة اجدني اتساءل لاحقًا هل ربما بكت لأن يوم مثل هذا كان سيكون كاملًا لولا أن سبق الموت؟ أجد في نفسي رغبة ملحة في أن أشارك أحدنا هذه المشاعر لكن شعور “عدم الرغبة في تجديد حزن الآخرين” أقوى.

أُخبر طفلي الصغير بلغة بسيطة أن جدتنا الحبيبة ذهبت لربي بعد أن ألح بالسؤال عنها في كل مرة كان لا يجدها بيننا وحتى لا يُثير السؤال مرة بعد أخرى آثرت اخباره, لكن ياحبيبتي لو تعرفين أن الطفل شبيه أمه ويعز عليه هذا الفقد, يسأل كل فترة عن حالها هناك, هل ستعود ربما؟ يعيد على مسامعي أنه اشتاق لرؤيتها في وسط اليوم وأوله آخره, في أنه يود الذهاب للسماء كل مرة ينظر فيها إلى السماء للبحث عنها .. وفي الطريق وأثناء تناول الطعام وفجأة يستمر في اخباري ووالده أن ماما ثنوى ماتت الله يرحمها ماما ثنوى راحت عند ربي؛ ومؤخرًا -قبل يومين- يتحدث مع إحدى الصغيرات يخبرها “تدرين ماما ثنوى وين؟ عند ربي, ربي جاء واخذها عنده عشان هي كانت تصلي وتصلي وتصلي وخلاص ماتت” أستمع للحوار ومفاجأة الصغيرة بهذا الحديث اللامفهوم وأنا أدفع الدموع لئلا تخرج الآن, أفرح كثيرًا أن عام لم يطوي ذكرى جدتي الحبيبة من ذهن صغيري وأتمنى أن يكبر وتكبر معه ذكرياتها أن لا تحول الأعوام بينهم وأن تظل ماما ثنوى ذائمًا حسنة السيرة وحاضرة الصورة في ذهنة.

مرة أخرى, أنا لا أحب ربط الأحداث بالتاريخ لكن هذا التاريخ يفرض نفسه وهذه الليلة ساكنة أكثر مما يجب.

الإعلان

في رثاء حبيبتي

كيف يرثي أحدهم فقيدٌ يحبه؟ لا أقوى على ذلك، ولطالما كانت “أحسن الله عزاكم” هي الجملة التي تفتح مغاليق الحزن في صدري ومحاجر الدمع في عينيّ, ذلك أنني لا أستطيع الرد بالإجابة وتأكيد العزاء .. إلا أنني أرد بصورة أخرى تؤكد أن ذلك حدث فعلًا.

لست هنا لرثاء حبيبتي، ولكني هنا أتامل حياتي معها وحياتها معي؛ لم تكن حياة كانت أمومة كانت ميثاق كانت رابط آخر لم تُنصفنا فيه روابط العلاقات الاجتماعية بتصنيف بليغ لائق .. كنت بحاجة لأن أشرح ذلك لأحدهم في أيام العزاء الأولى، أن أشرح العلاقة بيننا وعن عِظم هذا الفقد وعن الحياة التي غابت عن حياتي.

في مطلع هذا العام الحزين كنا في منزل حبيبتي، وفي تصريح عزيز على قلبي أشارت بي إلى والدتي وقالت “هذي ربوتي، أنا ربيتها” ولعّلي أستفتح بجملتها حياتي التي تقاسمَتها -رحمها الله- مع أمي .. نشأت طفلة في منزلها وكنت “حبيبة يدّتها” و “صديقتها” التي يعرفها الجميع، أسافر معها أينما كانت الوجهه وأمضي الليل إلى جوراها في السرير نردد المعوذات ثم تبدأ تقص علي قصص الأطفال التي تعرف، وقصصًا من حياتها وطفولتها القصيرة جدًا آنذاك .. عرفت قصة الراعي والذئب بصوتها، وعرفت قصصًا كثيرة عن أرض الجنوب الطيبة من حكاياها ونوادر مواقفها القديمة، نشأت في منزلها وكانت تردد دائمًا أنني احدى بناتها لا حفيداتها، فأحفظ هذه التزكية حتى إذا ما جاء خالي استقبلته بقرار أنني سأدعوه باسمه مباشرة دون الحاجة لـ”خالي”، لأنني أصبحت أختًا له؛ ثم تبدأ المعركة التي ما انتهت إلا حين قال “راحت اللي تدافع عنك اللحين” ليعلن هزيمة الجميع.

أمضيت طفولتي بين الدور الأرضي والأول، وفي ساحات المنزل الكبيرة، وعلى عتبة المنزل مع خالي في العصر وبعد العشاء، وفي السيارة في طريق الذهاب والعودة من منزل جدتي وإليه .. حتى تجاوزت الطفولة وصار المبيت معها مبيتًا جماعيًا، نتفق فيه أنا وابنة خالتي فنمضي الاجازات إلى جوارها، رمضان وصلاة التراويح وليلة ٢٧ المباركة التي تنقضي في محاولات اقناعها أن نصليها جماعة في المسجد، وليلة العيد الطيبة ومصلى العيد وساحتاته والغداء الذي كان يُعدّ له قبل صلاة العيد ورائحة البخور والمعمول الدوسري الطيّب .. ومن صفو الأيام إلى دركها مرت بنا معها أيام المرض الشداد وأيام الوفاة والحداد وسجلًا من الذكريات ولا أدري هل أمست هذه الذكريات مركز قوتي أو ضعفي بعد فقدها؟

ومضت بنا أيام غير تلك الأيام، وظروف ليست مثل الظروف السابقة؛ فكان آخر عهدي بالمبيت في منزلها مرة قبل زواجي، ومرة بعده أعدت لي فيها فراشين أحدها لي والآخر لصغيري؛ وكانت أمًا وكانت جدةً وكانت صديقة وكانت صدر يتسع لكل ما تضيق به نفسي .. تعلمت منها أكثر مما تعلمته ممن سواها، توقظني لصلاة الفجر فتذكرني بالسنة الراتبة حتى صارت فريضة عليّ، ومثلها السنة الراتبة في صلاة المغرب وبعد العشاء والوتر .. المعوذات عند المغرب، وقبل النوم، وآية الكرسي في كل وقت اسأل الله أن يجعلها في ميزان حسناتها.

وتتجاوز علاقتنا ذلك إلى ما سواه، آتيها قبل الزواج خائفة لا تبدو عليّ الطمأنينة فتمسكني إلى جانبها وتعيد علي طريقة اعداد الكبسة، الجريش،الكشنة، الملوخية .. ونسهر تلك الليلة سهرة صديقتين، تحدثني فيها عن زواجها، عن مخاوفها، عن طفولتها التي تحولت لأمومة فجأة .. تحدثني حديث الصديقة صديقتها، وتنصحني نصيحة الأم ابنتها، واسألها بلا خجل لأنها “ماما ثنوى”.

آتيها بعد الزواج مثقلة من المسؤوليات التي تتوالى على فتاة لم تعتد ذلك، فتطبطب عليّ بحنان الدنيا أجمع، وتمرر إلي بهارات تنقذني في الطبخ،وملوخية مجمدة معدة منزليًا خصيصًا لحفيدتها حديثة العهد بشؤون المطبخ، وأعود لمنزلي ملئية بالمشاعر الطيبة .. لكني لا أتجاوز المرحلة الأولى الصعبة من مراحل الزواج فآتيها أبكي إذا ماسافرت والدتي وشعرت بالوحدة، وإذا ما اكتشفت أنني أوشكت أن أصبح أمًا, ومن جَهد الأمومة، ومن الغربة، ومن كل ماكان يعز عليّ، إلا فقدها الذي لا أعرف فيه أبكي لمن؟

وتغمرني جدتي بحنانها في كل فصول حياتي وأيامها، حتى إذا ماكان أسواءها وجاءت سنوات الغربة تلتزم هي دون الجميع -الجميع كلهم- بالاتصال علي في كل اسبوعٍ أو اثنين؛ أربعة سنين تمر وحبيبتي حتى آخر اسبوع من أسابيع حياتها الطيبة تتصل عليّ، تسألني عن نفسي وزوجي وابني والطقس عسى أن يكون ماطرًا، ثم تختم كما تختم كل مرة “الله يردكم من هالديرة يابنيتي والله اني ادعي لكم” .. واتساءل الآن، من سيدعي بذاك الإخلاص ؟ -واضرب كفًا بآخر- راحت!

في يوم الأحد الذي يسبق يوم الجمعة الذي غادرتنا فيه إلى العناية المركزة، اتصل بها ونستمر بالحديث نصف ساعة ربما، أحدثها عن الاجتماع الذي كان نهاية الاسبوع، وتحدثني عن اجتماعهم كذلك، تسألني عن صديقنا الجديد “أنوسي” في فرحةٍ لطفلي الذي وجد صديقًا يشاركه العمر والاهتمامات أخيرًا؛ تردد الدعوات نفسها في كل مرة وصادق التمنيات بعودتنا إليهم قريبًا ثم ينتهي الاتصال، وينتهي كل شيء كان بيننا .. استيقظ يوم الجمعة على خبر انتقالها إلى العناية إثر شدة وعكة صحية، ثم يمر اسبوع يمهد الله لنا فيه انتقالها إلى دار ضيافته، ليأخذ أمانته عصر يوم الجمعة التالي ١٤/٤/١٤٤٣هـ.

في شهر شعبان الماضي، تعرضت حبيبتي لأزمة شديدة كانت تظن معها أنها أيامها الأخيرة، عدت فيها إلى الرياض لأطمئن عليها واذكر تمامًا ذلك اليوم .. حبيبتي على السرير، ادخل للسلام عليها واحضنها ثم نبكي سويًا، حبيبتي في اسوأ حالاتها الصحية التي لا تستطيع أن تجاملني فيها فتبدأ بتوديعي مخافة أن لا تستطيع ذلك لاحقًا “والله إني أحبك، والله إنك غالية علي .. كلكم غالين علي بس اني احبك” ترددها، وأردد أنا أن الله سيحفظهالنا ويمد في عمرها، لكنه ربما كان وداعًا حقيقًا لفراقها الذي ما استطاع إليه الوداع سبيلًا.

يعجز علي الآن تصديق وفاتها ويعز علي ذلك والله؛ كيف تغيب عنّا وهي أحد أعمدة هذه الحياة؟ كيف تقوم الحياة بعدها وكيف تستقيم؟ كل فصول حياتي وتفاصيلها التي كانت معها وإليها وبها، كيف تمضي دونها الآن؟

عزائي في هذا الفقد أنني قاسمتها حياتي فكان لها فيها النصيب الأكبر، وأعطيتها قلبي فكان لها فيه الحيز الأعظم، ورُزقت حبها ورضاها الذي صار سلوان هذا الفقد وجبر هذا الكسر .. أردد أنني “شبعت لكن ماشبعت” شبعت منها في حياتها فكانت رفيقتي كل حين وصديقتي في كل رحلةوجارتي التي أكرر زيارتي عليها دائمًا، لكن ماشبعت منها في حياتي؛ تجاوزت في هذه الحياة فصول كثيرة أحمد الله أنها كانت معي فيها، لكنها فصولٌ لم تكتمل! كانت تتشوق لتخرجي، تسألني كل مرة ماذا فعلت وأين وصلت ومتى سأتخرج؟ اطمئنها أنني في الرسالة، أنني أوشكت، ولو أنني أعلم من الغيب شيء لاستعجلت بها والله لأدرك فرحتها ..كانت تدعي دائمًا بطفلٍ آخر وذرية طيبة، اضحك واسألها عن اسمه ونضحك سويًا على الأسماء التي نقترحها وأقطع لها وعدًا بهذه الذرية الطيبة المباركة إذا ما عُدنا إليهم .. فتلتزم حبيبة قلبي بدعاء العودة قبل دعاء الذرية التي تحب؛ لكن الموت يقطع التزامها ويقطع سيلًا من الدعوات وفيضًا من الرحمات وحنانًا ممتدًا لا تطيب حياة من دونه .. لكن تسير الحياة شئنا أم ابينا، وتمر فصول ومراحل أخرى برحمة الله الذي لا حول ولا قوة الا به، وإنا له وأنا إليه لراجعون

كل مر سيمر

أردد أن كل مُر سيمر, أكتبها على دفاتري, على ورقة كبيرة أثبتها في جدار أمامي أنظر إليها دائمًا .. يوم ويومين وسنة وأخرى ثم ينسى هذا المر كيف يعبر لمكان آخر, يظل أمامي كل يوم كل صباح ومساء يذكّرني بنفسه وأن الجميع مروّا سواي أنا وهو. 

أنا آسفة لكل مرة قلت لنفسي أن كل مر سيمر وظل باقيًا للأبد, لكل مرة رددت أبيات الفرج فردت صداها الظروف أنها ما فرجت, لكل مرة أظن أنني أقوى فأهُزم في اللحظة الأولى, لكل مرة سقط بي سقف التوقعات لقاع الواقع, لكل مرة أظن أنها “بتزين” وتسوء, وتسوء حالتي معها.

أنا آسفة لنفسي التي ما صرت أعرفني بها, للقسوة التي ألبستينها الأيام, للخلوات التي صارت أسلوب حياة وللوحشة المتمددة على طول أيام عمري التي تنقضي دون أٌنس. 

أنا آسفة لأمي, في كل لحظة توقفت فيها بلا سبب عن كل شيء إلا البكاء أمامها, في كل مرة أحاول التغلب على العبرة التي تقف في كل كلمة ثم تخرج مع دعواتها, في كل مرة تضع فيها “ستيكر” بطابع ودّي يتعدى شاشة الجوال إلى صدري, لكل مره لا أرغب فيها بالعودة وتغلبني كلماتها وأعود .. ما أقسى الرجوع إليه.

لطفلي الصغير, ياحبيبي .. أنا لست أمٌ هنا! أنا أمارس معك كل الأشياء إلا الأمومة؛ جمادٌ لست إلا, لا تفتش فيّ عنّي؛ فكلانا يبحث عن أمّه؛ آسفة ياحبيبي عن طفولتك التي أعجز عن قبضها إليّ أو بسطها للحياة, عن الحنان الذي تتحدث عنه كل القصص إلا قصتي معك, عن الصباحات الهادئة والمساءات الجميلة التي كان من المفترض أن تكون بطلها, عن الغرف الكثيرة التي سكنتها, عن محاولاتي غير النهائية في خلق روتين ترفضه أنت وترفضه الظروف, عن الأرض التي ماعرفت أين أنت منها, وأين أحبابك عنك, عن أسمائهم التي ترددها كل يوم خشيةّ أن تنساهم فتضيع ذكرياتهم معك.

أنا آسفة لمن يرى فيّ صورة لا تتبدل, وملامح وجه لا تلين, أعدّ الأيام عسى الأيام تنقضي, وأبكي عسى البكاء يخفف من شدتها, وأتصلب عسى الصلابة تزيدني مقاومة؛ ثم ينكسر فيّ شيء لا يعود, لا يترمم, أفقد شهيتي للحياة, وأخشى الموت بانتظار ربيع العمر. 

ربيع العمر؟ أنا آسفة لملاعب العشرين التي انكمشت, وربيع العمر الذي ما عرف الربيع, وحلاوة الأيام التي ابتلعتها بسرعة خوفًا عليها, والقهوة التي ما شربتها على مهل. 

وللمستقبل! أنا آسفة لكل سنة تمر من عمري وتصير مسافة بيني وبينك, لكل رقم يكبر دون أن أصل فيه إلى شيء, لكل وعد قطعته .. ثم قطعته, لكل خطوة إليك صارت عنك, لكل الدعوات التي صرت ارتلها ونسيت مقصدي منها, للمستقبل الذي كنت ولا زلت أفتش عنه كلما مرّ يوم وآخر.

ولكني أدرك “بيقين اللي ما صلى استخارة” أن كل مرّ سيمر.

مطلع الفجر

للأيام قدرة عجيبة على التمدد والانكماش وفقًا للظروف التي تتضمنها, تتحول عقارب ساعاتها في حركتها بين الرفق والشدة بشكل يوازي ما تشعر به, لا كما يوازي حركة دوران الأرض حول نفسها.

لسبب ما, حين تكون هناك ليلة عصيبة, فإن أول ملامح الفرج تظهر مع ملامح الفجر وشروق الشمس؛ لا يسعني تخطي المشكلة لكني أستطيع الانتظار وعدّ الدقائق وتكرار النظر للساعة أملًا في أن تخف وطأة شدتها في الصباح؛ وليس ذلك حصرًا على ما يصيب النفس من همّ, فقد اعتادت أمي أن تهيؤنا ونفسها لتقبل أشد لحظات الأزمات الصحية في المساء حين يذهب الجميع للنوم, وتتسلح أنت بجميع الأدوية والكمادات وخافض الحرارة ومقياسها؛ فتُنهك بنوبات التعب والرجفة وبدلًا من ترقب العافية, تترقب آذان الفجر.

​وفي حين كان اليوم يتقلب بين الليل والنهار, البداية والنهاية التي يمكن أن تبتدئ معها أو تنتهي, فإن الأيام تسير في دولاب لا يبدأ ولا ينتهي مما يؤازر ظروفها وأحوالها, فلا تمضي ولا تتبدل؛ فقد كان لزامًا أن نُمضي هذه الأيام في حال ليست هي الأفضل, وكنت استسهل الشهر والشهرين, فلا أراها إلا ستة أو سبعة أسابيع, لكنها سبع يوسف العجاف؛ وأنّى لها أن تنقضي.

أيامٌ تتمدد بشكل هلامي -صلب سائل- يطبق عليك فلا فجر ولا عشاء ولا ثقب تتنفس منه ولا نافذة, وتظل عالقًا في عنق الزجاجة لست ترجو أن تخرج ولكن ألا تعود للقاع, و يا ربُ أسفًا على هذه الأيام من عمري تكون ولكن السلوى بـ”إني أرى قادم الأيام تحمل غايتي وما صبري هذي الأيام إلا تأنيا”.

غيغا بايت حُرّة


تقول د.هبه حريري -باحثة ودكتوراه في العلاج والإرشاد النفسي- أن الخوف من فكرة مضادة هي مشكلة في تشكيل الهوية؛ وفي سياق آخر للهوية ذكرت أنها قابلة للتغير والتحول في غضون أيام إثر فكرة ما!.

            ولا أعلم حقيقة إذا ما كانت مشكلة فعلًأ في الهوية, لكن الأفكار التي قد لا أتفق معها, أجدني على إثرها في زوبعة فكرية قد تطول أو تقصر وفقًا للفكرة؛ لا أعني زوبعة الشك, ولكنها مشاعر الغضب ربما؛ ولأني لا أملك أحيانًا إمكانية الرد والمحاورة, اكتفي بثورة المشاعر التي ترهقني بدءًا وانتهاءً.

            ومن المقبول جدًا التعرض لأفكار مغايرة في برنامج ما أو كتاب ما, أو شخص يتحدث بإسهاب عن ما يتبنى من معتقدات فكرية, لكن رمي فكرة جرداء أو ترويجها مثل سلعة مزجاة لا تغني ولا تكفي؛ وترك صنع المقدمات والمبررات على الآخرين؛ هو غير المقبول! وهو ما يستنزف الأسئلة, لماذا؟, هل يمكن وهل يعقل؟

            ودون الحاجة للتذكير؛ تُتوّج وسائل التواصل الاجتماعي كأفضل مرمى فكري سطحي بلا عمق ولا تأمل؛ ولأني مجرد عدد جامد في جميع التطبيقات؛ عدد ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قِبله العذاب, فلا يشك أحدٍ ما أن خلف هذا الصمت تفاعل على شكل آخر.

            ولأن “أولى ما على الإنسان راحته” بدأت أولى خطوات الانسحاب من برنامج سناب شات, الذي فضلًا عن تحوله منبرًا للصحيح والمجنون, صار أحد ساحات المعارض والفنون, وأنت أين أنت من كل هذا؟ سحبت “الفلاتر” بساط العفوية وأصبح ما نراه عبر سناب شاب فكرة مغايرة عما نملكه من تصور واقعي للشخص, للمكان, للمناسبة؛ وهنا الوطيس الذي يحمى بعد كل سنابه.

            بعد قرابة ستة أشهر من النعيم المستديم صارت الأفكار في تويتر هي محل النظر والاهتمام, ويعزّ علي تويتر وأصحابي هناك؛ لكنه بالكاد يُطاق الآن, تيارات فكرية مختلفة, وتراشق أخلاقي, وأحداث في شرق الأرض وغربها كلها تُستحضر أمام ضعفي وقلة حيلتي, ولا أحد يتصور أن مصفوفة أحرف أو صورة ربما, تسير ملاصقة لك وتنعكس أمامك على كل شيء, مثل ظل لا يبالي بليل أو نهار؛ وصاحبها يهنئ في مطعمه ومشربه وأنت أين أنت مُنه؟ فاخترت الطريق المختصر وقمت بإعادة تنظيم قائمة المُضافين لدي؛ وألغيت متابعة أصحاب المُعتقدات الفكرية المختلفة وكل ما لا أستطيع معه صبرا, ثم كانت المشكلة في إعادة التدوير المستمرة لأشخاص تم الغاء متابعتهم من أشخاص يصعب الغاء متابعتهم, لكن تويتر في ذلك أتاح فرصة الكتم, وآسفة لذلك لكنّ اضطررت له؛ وكنت ذات عهد سابق بخاصية الكتم فالكثير من الكلمات والشخصيات المثيرة للجدل؛ ومؤخرًا فايروس كورنا ومشتقاته وصُروفه بالعربية والانجليزية, فضّلت أن اكتمها جميعها على أن أقوم بإلغاء متابعة كل ذي شأن بها؛ والنتيجة كانت مثالية ورائعة, واستزادة النفع من تويتر بدلًا عن الاحباط على هامش كل تيار فكري يطرأ في جملة ما, والسعي في ارشيف كل صادرة وواردة! 

            أخيرًا بالنسبة لتطبيقي المحبب انستقرام, فقد طاله ما طال سابقيه لكن بشكل مخفف؛ بدأت فيه بكل حسابات الفاشن بلوقرز “الفاشنستات” وألغيت المتابعة وإن كنت أتابع عدد محدود منهم, لأدوارهم الأخرى في الحياة التي تظهر أحيانًا من أمومة وتربية وغيرها, لكن حسابات التربية المختصة تملأ انستقرام! عرّجت أيضًا على كل حساب لا تتجاوز الصورة مرحلة التباهي حقيقة دون أدنى فائدة! استعراض التقديمات وموائد الطعام, عرض مجلدات السفر والسياحة, حسابات التسوق والماركات التي تظهر في كل زاوية بشكل غير مقصود طبعًا, والحياة المثالية وأنت أين أنت عنها؟

لا أعني بالطبع الحسابات التي تقدم الفائدة مغلفة بشكل أنيق وباهض ربما, لكن الحسابات التي لا تتعدى فكرة العرض فقط, دون الإجابة على صندوق التعليقات الذي يعيش بمنأى عن الصورة أعلاه؛ وبالنسبة للصفحة الاكتشاف “الإكسبلور” فقد قامت (https://www.instagram.com/fiind/) بالإشارة لطريقة فعالة في الحد من الصور غير اللائقة وغير المهمة, إضافة إلى امتهان التبليغ عن للحسابات غير الأخلاقية التي تظهر غالبًا بين فترة وأخرى؛ وبالتأكيد قمت بإضافة الكثير جدًا من الحسابات التي تحقق فعلًا تغذية الجمال البصري, والفكري أيضًا بالتعليق الناعم الذي يُرفق غالبًا؛ والجدير بالذكر أن البدء بتحسين قائمة المتابعة لديك يجر شخصيات أخرى ممن قد تفضلهم استنادًا للقائمة التي أبقيت عليها؛ بالتالي هي لا تنقص بل تزيد.

أخيرًا؛ هل يمكن اقتصار فائدة ذلك على الراحة التي أنعم بها الآن؟ أو تجاوز ذلك لمتسع الوقت الذي أُتيح لمجال المواد المسموعة في بودكاست والمرئية في يوتيوب؟ أو المعارف التي اُكتسبت مذ أن أتيح له فرصة الظهور؟ أو المجالات التي وجدت فيها شغف الاستزادة أخيرًا وعرفت ماذا أُفضل؟

وبالمقابل, تفوتني الكثير من الفعاليات العائلية في سناب شاب, وتأخذني الأيام والأسابيع عن الاصدقاء فلا يمكن التعليق خلف صورة ولا معرفة أخبارهم إلا بالسؤال الذي يجر الأحاديث المطولة عبر تطبيقات الرسائل, وأشعر أن العالم هادئ على غير العادة كل مرة أُحّدث فيها شريط تويتر ثم أتفاجئ في كل اجتماع! أنّى للعالم أن يتحول بين عشية وضحاها, ودائمًا ما يتولى الآخرون تعريفي بقضايا المجتمع الحالية وأبرز التطورات, لكن مالي ومال الناس إن مالوا وإن عدلوا؟

الثبات الناعم

في هذا الوقت الذي أستيقظ فيه من أجل سبب بعيد جدًا عن الكتابة, أنا أكتب. لقد استيقظت بهاجس ثقيل كان علي أن أصرفه عن ذهني, واعتذر للساعة التي سرقتها من جيب الكتاب.

أعتقد ان مهارات تكوين فكرة عن الطرف الآخر التي قد تتمتع بها بسهولة فطرية سابقًا, تُنعى الآن! ان السرعة التي يتبدل فيها تبني الآخرين لقناعاتهم, تجعل من العجز اللحاق بهم بفكرة أو تصورٍ ما. ولا أعرف إذا ما كانت الفكرة تتمحور فعليًا حول تبني القناعات أو أشياء أخرى.

أدرك يقينًا أن الانسان حتي يعيش ضمنًا في مجتمعه يحتاج إلى مواكبة هذا التسارع الحياتي الشامل, وأن يكون جاهزًا لتكوين فكرة عن أي مستجدات تطرأ حوله؛  فإذا كان الانسان قد كون أفكارًا وامتلك قناعات فلا بد أنه يفقه ما يؤمن به وبذلك لربما اضطر مرات لتصحيح ايمانيات -وأقصد بها المُسلمات وليست الايمانيات بالمعنى الشرعي- بُنيت على خطأ أو عجالة, وهذا اجتهاد محمود مأجور؛ وهي نقطة اتفاق ننطلق منها لما بعدها.

لابد أنك تجلس اليوم مجلسًا ينبذ عادة, تصرفًا, منهجًا ومسلكًا سرعان ما يُسلك في المجلس الذي يليه! وإن ذلك أصبح من ما يشُفع ويعتذر له بصروف الدهر, وأصاب أحدنا منه البلادة والجمود وما أًصبحت بذلك مفاجأة فهي أقرب منها إلى العادة.

أما الذي يحاك في الصدر ويرسم الوجه بملامح التعجب ويبعث إليه بألوان الدهشة ولا تدري فيه أين الصواب من الخطأ؛ أن الناس صارت تخلط الرأي بالمبدأ! فلا ترى منهم ثبات ولا تمثل القناعات أًصحابها.

أعيش ضمن دوائر اجتماعية كثيرة تتمثل العائلة والأسرة وبيئة الدراسة وعلاقات أخرى, تتقاطع كلها في هذا التلون؛ صار التحول سهل جدًا! يحدثك اليوم عن قناعة غدًا هو منها في براءة .. يحدثك عن سلوك صحيح ومفروض وواجب على الجميع إلا هو؛ يحدثك عن أحدهم الذي ربما يحتاج إلى النصيحة بشكل عاجل؛ لكن نسيي أنه ربما أحتاج هو إلى التوبة!

وأصبح واجبًا أن تتعايش مع هذا التناقضات, وهذا ثقيل جدًا لا تستطيع البوح له ويعجز عنه صدرك .. إن تحدثت به خفت شؤم البلاء وإن سكت عنه خفت معمّته.

وهذا كله سهل هين عند ما يكون قريب منك محبوب إليك؛ فتشعر بالتيه الذي لست به إلى أحد, أنت إليه جنبًا وعنه فكرًا في معزل.

وأدرك يقينًا أنني كما استكرهت هذا عن غيري, ربما استكرهه أحدهم مني؛ وهذا مما يوهن الفكر فلا تدري كيف الصواب وكيف الخطأ وفضلًا عنه كيف تتماسك أكثر -على الأقل- تجاه مبادئك؟

عامٌ جديد!

يشارف العام الهجري على الانتهاء، لكنه ينتهي هذه المرة تزامنًا مع انتهاء عام عمُرّي آخر؛ لنبدأ أنا والسنة الهجرية ميلاد جديد.

ولهذا الاتفاق علّة خفية، يبدو اعلان بداية جديدة وتأكيد عليها، وكأن الستائر تسدل من كل اتجاه للمغادرة جبرًا إلى مشهد آخر، أقف وانفض عن نفسي خمسة وعشرون سنة، يهتف الآخرون احتفالًا بعام جديد -واحتفل لوحدي- معهم.

لم يكن من السهل أبدًا اجتياز العام الأخير من عمري ومن اوراق التقويم على حد سواء، كان بلوغ الخامسة والعشرون يكلف الكثير وكانت بداية عام هجري جديد بعيدة جدًا، كان عامًا عصيٌ عن التصنيف، لم تخطئ الدهشة اصابة كل الأماكن والعلاقات والمواقف التي مرت خلال هذا العام، ولم تخطئني أنا أيضًا.

كنت أعتقد أن السنوات الماضية كفيلة بأن تكون مخاضًا ينتهي ببشرى ولادة وأن خمسة وعشرين سنة تصنع أجيالًا؛ لا نصف إنسان, لكنه اعتقادٌ يتبدل مجددًا كل عام؛ ومجددًا هناك رغبة مُلحّة بأن أرى نفسي في صورتها الكاملة, لكنها تظل خيال صورة.

أفكر في ما حدث ويأخذني العجب أنّى لكل هذه الأحداث أن تأتي في عام واحد, تتزاحم وتتلاحم حتى تملأ كل الأشهر, كل الأيام بالتفاصيل, بالذكريات؛ في عام واحد كان عليّ أن أصبح أمًا في الوقت الذي يتوجب علي فيه الانفصال عن والدتي وعيش التجربة دون أن يشارك جيلٌ ثالثٌ في الصورة, كان عليّ العيش بالتخفف لا رغبة في ذلك ولكن لأن الإقامة غالبًا في مكان واحد لا تزيد عن شهرين, كان عليّ التعايش مع حالة السفر -وأقصد الفعل لحالة السفر- إذ تكاد تتحول السيارة إلى مقر إقامة ويغشى الليل النهار يطلبه حثيثًا كما نطلب الوصول, يتكرر ذلك مرات أخرى وتتحول حالة السفر من مضارع إلى مضارع مستمر للأبد, كان عليّ مصافحة كل من أصادفهم, ومصادفة أحد ما هو احتمال ضعيف جدًا, لذا وبدلًا من المصافحة كان يتوجب عليّ معانقتهم للاستئناس بهذه العلاقة “العابرة العميقة” أطول وقت ممكن, كان عليّ الوقوف في مصلى العيد لا اجاور أحدًا من عائلتي, وفي المساء أُجيب بنفسي عن التساؤل الذي طالما تكرر كل عيد “من يذهب إلى الاحتفالات في الأماكن العامة ويفوّت على نفسه الاجتماعات الأسرية؟”, كان عليّ تأجيل كل القرارات الممكنة والمستحيلة المستقبلية والحالية لأن الحال “مؤقت” وهذا المؤقت يأخذ شكل الدائم في كل شيء إلا الاستدامة.

صنعني هذا العام مرة أخرى، شكلنّي من جديد؛ وكل المسلمات التي أعرفها عن نفسي أصبحت محل شك, ولا أعلم أعزو ذلك إلى الظروف أو العمر, لكنّي بلا شك شُكلت مرة أخرى من رأسي حتى أخمص قدميّ؛ وإذا كنت سابقًا أعتقد أن الإنسان ينضج خلال مرحلتين: الجامعة والزواج, فأنا أجزم الآن أنه ينضج خلال ثلاث مراحل: الجامعة, الزواج وأثناء الظروف الصعبة.

الآن أفكر, كيف أصبحت بعد كل ذلك؟ كيف امتهنت أشياء كثيرة لم تكن منّي أبدًا, كيف تجزأت نفسي فما كادت تُبقى لي شيئًا, كيف تحولت اهتماماتي لمسارات مغايرة ربما, كيف أمكن أن أًصقل لدرجة الانزلاق المربكة هذه, كيف تبدّلت قائمة دعواتي التي أرددها دائمّا عند السفر, وفي الصوم عند الإفطار وأثناء القنوت. ثم أبتسم ياللإنسان! انه يفوق قدرة الحرباء على التموضع.

السنة الأولى ..

كان فنجان القهوة يبرد لأن يدي مشغولة, ثم أصبح يسكب لان أحدهم يعبث بصينية القهوة, وما لبث أن صار يشرب على عجل لأن يد أخرى تسابقني إليه؛ والآن أصبح من الصعب تصوير ما يحدث لأنه ينسلخ من دوره متحولًا إلى لعبة دحرجة أو صحن تغميس ربما .. فأنهيه سريعًا وأنتظرك تكبر يا صغيري؛ لتشاركني فنجان قهوة حار وحديث حلو وضحكتك التي تراوغنا فيها دائمًا لتسوية الأمور.

يكمل اليوم طفلي 12 شهرًا متمًا بذلك أولى سنوات حياته, وأولى مراحل انشطار قلبي .. لم تكن سنة عادية أبدًا, كانت مليئة بلحظات البهجة, الضحك, الاُنس وَ الكثير من لحظات الرغبة بالانسحاب من ميدان الأمومة والتوقف عن تحمل مسؤوليات لا تكافئ طاقتي أبدًا .. أذكر أني بكيت فرحًا عندما استشعرت حدّه السن الأول, لكني بكيت أكثر عندما مرض للمرة الأولى مرضًا شديدًا عجزت عنه؛ وما زلت أبكي كلما تمكن منه المرض؛ لأني أريد أمي فأنا لا أصلح لأن أكون امًا!

أبحث عنه كثيرًا, معلقًا في الدرج, ومشتتًا بين درف المطبخ ومندهشًاأمام تحف منزل عائلتي التي لا تنتهي, لكنه يبحث عني أكثر كما اختبأت في شرشفالصلاة أو انصرفت إلى غرفة دون عمله, ويطول انتظاره امام باب أغلقته بعدي .. لاأذكر عدد المرات التي حاولت فيها إضحاكه, لكنها بالتأكيد تساوي مرات محاولاتهالمستمرة لرسم ابتسامة أو ضحكة لا يدرك مصداقيتها مكررًا بذلك ضحكته حتى اشاركهإياها, في مشروع تبادلي صغير جدَا تمليه عليه فطرته البسيطة.

كان مضغة, ثم خلق بعد خلق وعمرًا بعد عمرًا لتتحقق أعظم معجزة وتكبر أمامي, فلا تعد آيات الخلق آيات عابرة, ولا حقوق الأم حقوقًا مسلمّة. ولا الطفل أقل أهمية ممن سواه.

أصبحت أرى بعيني طفلي فلا أهنأ بخطر قريب, وأسمع بأذنيه فلا أهدأ لصوت مزعج, وأسير بركبتيه وقدميه الصغيرتين فلا أجلس لمنزلق ولا مرتفع وأستمتع بعقله الصغير فتزعجني كثيرًا مناطق الجلوس الطويل والهدوء الدائم .. وبدون أن أشعر أصبحت أنا هو, وأدركت بذلك معنى أن تكوني أمًا.

حبيبي صالح, اكتب هذا بشكل غير مرتب وبأفكار تتدافع تدافع اللقطات في ذاكرتي وتتالي المواقف أمام عيني .. وبالرغم من كل ذلك فلا أعلم أي عجلة هذه التي مرت بها سنتك الأولى, وكيف تكبر أكثر مما يبنغي لجنين ينام حتى الآن على حجري.

لنبدأ

حسنًا فلنبدأ,

اسمي بشاير, مواليد 1994م وانتمي للرياض تخرجت من جامعة الامام قسم التربية الخاصة الذي اكتشفت لاحقًا انه لا يتقاطع مع رغباتي و احاول الآن إصلاح ذلك .. مارست أدورًا كثيرة أخرها أني أصبحت أمًا لطفل يكبر بسرعة تاركُا خلفه مساحة حرة لدور آخر ودعوة تردفه بالتوفيق.

هربت من مواقع التواصل السريع, لأتيح لنفسي فرصة التعبير بشكل مريح هنا .. وأعوذ بكلمات الله من طوارق الليل والنهار إلا طارقٌ يطرق بخير.